عماد الدين خليل

251

دراسة في السيرة

والأنصار فيهم أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهم وأمره أن يلحق بابن العاص وأن يعملا سوية لإنجاز المهمة التي كلفا بها . وانطلق عمرو - بعد أن وصله مدد أبي عبيدة - حتى « وطئ بلاد بلى ودوخها ، حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين » . ولقي في نهاية زحفه جمعا فحمل عليهم فهربوا بين يديه وتفرقوا في البلاد ، بعد أن قتل منهم عدد كبير « 1 » ثم قفل جيش الرسول صلى اللّه عليه وسلم عائدا بعد أن غطى بانتصاراته الأخيرة هذه في أقصى الشمال ، على مأساة مؤتة ، ومكن للنفوذ الإسلامي في أقصى الشمال ، وأشعر العرب الموالين للبيزنطيين بأن هزيمة المسلمين في معركة لا تعني أبدا انحسار دولتهم في أراضي الشمال . [ 6 ] بعد عودة الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة في أواخر السنة الثامنة ، في أعقاب دخوله مكة وانتصاره في حنين ، بلغته أنباء خطيرة عن تحركات يعتزم الروم وحلفاؤهم العرب من لخم وجذام وغسان وعاملة ، القيام بها ضد الدولة الإسلامية قبل أن يشتد ساعدها وتتفرد في قيادة الجزيرة العربية ، وتشكل خطرا حاسما على الوجود البيزنطي في بلاد الشام ، وقد قامت هذه القبائل فعلا بإرسال طلائعها إلى البلقاء . كان الوقت صيفا ، والصحراء تحترق نارا ، والبلاد تعاني جدبا ومحلا ، والطريق طويلا ، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون الشخوص لقطع آلاف الأميال عبر الصحراء ، وقتال قوم هم سادة الدنيا ، ومحنة مؤتة ، فوق هذا كله ، ليست بعيدة عن الأذهان ، لكن منطق الرسول صلى اللّه عليه وسلم يفوق التحديات ويتجاوز المصاعب ، لأن السكوت على التحرك البيزنطي معناه الاندحار ، وانتظارهم لكي يوجهوا ( هم ) ضربتهم معناه الانتحار ، فلا بد إذن من التجهز بسرعة ، وتولي زمام المبادرة ، والانطلاق عبر المتاعب والمصاعب للرد على تحدي سيدة العالم ، وإشعار العرب الخاضعين لها أن هناك دولة ثانية وكلمة أخرى . وفي معظم الغزوات كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم لا يحدد هدفه العسكري زيادة في الكتمان ، على العكس إنه كان يعلن عن أهداف غير تلك التي يريد قصدها ، أما

--> ( 1 ) ابن سعد 2 / 1 / 94 - 95 ، الواقدي 2 / 770 - 771 ، الطبري : تاريخ 3 / 29 ، 31 - 32 البلاذري : أنساب 1 / 380 - 381 ، اليعقوبي : تاريخ 2 / 64 ، المسعودي : التنبيه والإشراف ص 231 ، ابن الأثير : الكامل 2 / 232 ، ابن كثير : البداية والنهاية 4 / 273 - 275 .